العقيدة الصافية

يحتاج المسلم كي تكون عقيدته صحيحة سليمة صافية لا تشوبها أدنى شائبة إلى معرفة التالي
معرفة ربه سبحانه وأنه الخالق القادر المصرف المدبر الرازق الموجد من العدم والممتن بالنعم
له أسماء وصفات كثيرة لا حصر لها دالة عليه جميعها بالغة الحُسن لا خلل فيها ولا نقص أبداً
ضابطها القاعدة الشرعية القرآنية في قوله جلت عظمته : (ليس كمثله شيء)[الشورى]
بمعنى أنه جل في علاه له (وجود وأسماء وصفات) تليق به كخالق عظيم متفرد في الوجود
لا نعلم كيفية وجوده جلت عظمته على وجه الحقيقة في هذا الكون الفسيح
ولا قدرة لإدراك معاني أسمائه وصفاته على المعنى الدقيق إطلاقاً لقصور عقولنا
ولا يمكن تصور معانيها الدالة على غايات الجلال والجمال والكمال الرباني
وليس للبشر من ذلك سوى معرفة الظاهر من دلالات تلك الأسماء والصفات وحسب
ثم على المسلم معرفة نبييه محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين المبعوث رحمة للعالمين
وسيرته وكل جزئيات حياته كتاب مفتوح لمن أراد الاطلاع حتى على أخص الخصوصيات
مما يحصل بينه وبين نسائه في البيت وفي حجرة النوم وفي الخلاء وفي كل شؤون حياته
ليتعلم البشر من تلك السيرة العطرة كيفية تطبيق الدين الحق واقعاً في حياتهم الدنيا
وقد أنصف كثير من الأعداء والخصماء نبي الرحمة وامتدحوا صفاته وخصاله وسيرته المنيرة
ثم على المسلم معرفة الدين الحق الذي جاء به ذلك النبي الكريم صلى الله عليه وسلم
وكل كلياته وتفصيلياته ومجمله وجزئياته مدونة في كتب العلم ومؤلفات العلماء الربانيين
ثم على المسلم معرفة المنهج الحق الذي جاء به ذلك الدين الحق المبثوث في الوحي الشريف
في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة التي وثقت كل شيء تماماً فكانت منارة هدى
القرآن الكريم الحجة الدامغة والقوة الظاهرة واللسان الناطق لأنه كلام ربنا جل في علاه
والحديث النبوي الشريف الذي حوى الحكمة البالغة وجوامع الكلم وفصل الخطاب
على كل مسلم أن يعرف كل هذه الأمور بالضرورة فلا يلتبس عليه شيء منها أبداً
عليه تعلمها على الوجه الصحيح ثم إن وجد من نفسه قدرة وقوة التزود من العلم الشرعي
والحذر من أن يتوغل فيه بغير معلِّم صدق بصير يرشده ويوجهه حتى لا تختلط عليه الأمور
كثيرون راحوا ينهلون من العلم الشرعي من غير بصيرة فتاهوا لمّا غاب عنهم الدليل الموجه
فوقعوا ضحايا الوساوس والتخبطات والشكوك ولم يعرفوا كيف يفرقوا بين الأمور
العلم الشرعي منهج كبير لا مجال للعبث فيه فمن أراد التعلم فليلزم شيخاً يدله ويؤدبه
ومن خالف العلماء واستهان بالفضلاء وجافى العقلاء ضل وأضل وزاغ وأزاغ وزل وأزل
العالم يدلك على الطريقة الحقة للتعلم المنهجي وهذا يحتاج إلى وقت طويل وجهل ليس بالقليل
العالم يدلك على الكتب الصافية المنبع التي تنهل منها ويحذرك من الطوام والشائبات
العالم يؤهلك ويعرِّفك كيف تتدرج في العلم من يسيره حتى تترقى وصولاً إلى دقيقه وعميقه
العالم يبسط لك المسائل ويشرح لك دقيقها ويزيل لبسها لتكتسب الخبرة في تلك الأمور
العالم يؤدبك ويجعلك ذا همة وفضل وورع وحكمة وتواضع أمور لا بد منها في مشوارك
يعلمك قبل أن تتصدر المجالس كيف تحكم على الآخرين وكيف تقدم الأعذار لهم إن خالفوك
العالم يفتح لك الأبواب المغلقة ويأخذ بيدك إلى حيث أمهات العلوم وأصول الفهوم
أما من كان شيخه كتابه وحسب فحتماً ولا ريب سيكون خطؤه أكثر من صوابه
مما قد يحمله على ازدراء العلماء وانتقاص أقدراهم والاستخفاف بمكاناتهم العلمية
والاعتقاد أن بوسعه مخالفتهم بكل سهولة بل وربما مقارعتهم ومناهضتهم دون تأدب معهم
من هنا زل كثيرون وضل عديدون وزاغ متصدرون لما حسبوا أن الأمر مجرد قراءة وكتابه
ربنا جل شأنه علَّم جبريل عليه السلام الأمين الذي بدوره علَّم نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم
الذي علَّم الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عنهم وهم بدورهم علموا التابعين لهم بإحسان
وعنهم أخذ العلماء الأجلاء عبر الزمان حتى وصل العلم إلينا غضاً طرياً كما هو لا لبس فيه
وهذا يثبت أن العلم الشرعي هو في حقيقته دين بل هو الدين الحق بعينه وذاته تماماً
وصل إلينا بتلك الطريقة المتسلسلة حتى يحافظ على جوهره ونوره ونسقه وصفائه وقيمته
فكيف لجاهل أو متعالم الاستخفاف بكل ذلك معتقداً أن بوسعه التعلم بمفرده وحسب
للعلم رجال سهروا عليه حتى حصَّلوه والبُعد عنهم جهل ذريع وضلال وتيه وسفه وطيش
فمن أراد العلم فليلزم العلماء ومن أراد الفهم فليلزم العقلاء ومن أراد الفضل فليلزم الفضلاء
بهذا فقط ظل العلم وسيظل كما هو محرراً صافياً نقياً كالماء الجاري العذب الفرات الزلال
فتنبه بُني وتعلم أُخي وخذ من تلك الثلة واترك من سواهم من المتعالمين الفارغين !